بالصوت الخريطة الذهنية لسورة التوبة 9 ـ 60
Carter Sullivan 06/29 00:08
سوره التوبه هي السوره التاسعه في ترتيب السور القراني الكريم. وهي مدنيّه بالاجماع، عدد اياتها تسعون وعشرون ومائه ايه. تعد من اخر السور المدنيه الطوال نزولاً. وهي السوره الوحيده في القران الكريم التي لم تبدا بالبسمله.
تعددت اسماء هذه السوره، وقد ذكر ابن عاشور في “تفسيره”، ان لها اربعه عشر اسماً، هي: التوبه، براءه، المقشقشه، الفاضحه، العذاب، المنقره، البحوث، الحافره، المثيره، المبعثره، المخزيه، المشدده، المدمدمه.
والاسم الاشهر لهذه السوره {براءه}؛ فقد سميت بهذا الاسم في اكثر المصاحف، وجاءت هذه التسميه عن كثير من السلف. ففي “صحيح البخارى”، عن زيد بن ثابت، قال: (اخر سوره نزلت سوره براءه). وبذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من “صحيحه”. وسبب هذه التسميه ان اول كلمه وردت في هذه السوره هي كلمه {براءه}. ويمكن ان يقال: انها سميت بذلك؛ لانه سبحانه ذكر فيها براءته من المشركين.
وسميت (التوبه)، جاءت هذه التسميه في اقوال بعض الصحابه رضي الله عنهم، من ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: (سوره التوبه هي الفاضحه). وترجم لها الترمذي في “جامعه” باسم (التوبه)؛ لان الله سبحانه ذكر فيها توبه الذين تخلفوا عن الخروج الي غزوه تبوك. وكتبت بهذا الاسم في المصاحف ايضاً.
وسميت (العذاب)؛ لانها وعدت الكافرين بالعذاب الاليم. اخرج الطبراني في “الاوسط” عن حذيفه رضي الله عنه، قال: (التي تسمون سوره التوبه، هي سوره العذاب، والله ما تركت احداً الا نالت منه، ولا تقرؤون منها مما كنا نقرا الا ربعها). قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وسميت (المنقِّره)؛ روي عن عبيد بن عمير انه سماها (المنقِّره) بكسر القاف المشدده؛ لانها نقَّرت عما في قلوب المشركين من نوايا الغدر بالمسلمين، والتمالؤ علي نقض العهد، وهو من نقر الطائر، اذا انفي بمنقاره موضعاً من الحصي ونحوه ليبيض فيه.
وسميت (المقشقشه)؛ روي ان رجلاً قال لـ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: سوره التوبه؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: وايتهن سوره التوبه؟ فقال: براءه. فقال ابن عمر: وهل فعل بالناس الافاعيل الا هي، ما كنا ندعوها الا المقشقشه. و(المقشقشه): بصيغه اسم الفاعل، وتاء التانيث من قشقشه: اذا ابراه من المرض. كان هذا لقباً لهذه السوره ولسوره (الكافرون)؛ لانهما تخلِّصان من امن بما فيهما من النفاق والشرك؛ لما فيهما من الدعاء الي الاخلاص؛ ولما فيهما من وصف احوال المنافقين.
وسميت (البَحوث)، اخرج الحاكم عن المقداد رضي الله عنه انه قيل له: لو قعدت العام عن الغزو، قال: (اتت علينا البَحوث - بفتح الباء -: يعني براءه) الحديث. قال الهيثمي: فيه بقيه بن الوليد وفيه ضعف، وقد وُثِّق، وبقيه رجاله ثقات. و(البَحوث) بوزن فعول بمعني الباحثه.
وسميت (الحافره)، روي عن الحسن البصري انه دعاها (الحافره)، كانها حفرت عما في قلوب المنافقين من النفاق، فاظهرته للمسلمين.
وسميت (المثيره)، روي ذلك عن قتاده؛ لانها اثارت عورات المنافقين واظهرتها.
وسميت (المبعثره)، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لانها بعثرت عن اسرار المنافقين، اي: اخرجتها من مكانها.
وسميت (المخريه)، ذكر ذلك السيوطي في “الاتقان”؛ وسبب هذه التسميه قوله تعالي: {وان الله مخزي الكافرين} (التوبه:2).
وسميت (المشدِّده)، ذكر ذلك السيوطي في “الاتقان”. ولعل ماخذ هذه التسميه، قوله عز وجل: {يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبه:73).
وسميت (المدمدمه)، روي عن سفيان الثوري انها تسمي (المدمدمه)، بصيغه اسم الفاعل من دمدم، اذا اهلك؛ لانها كانت سبب هلاك المشركين.
ذكر ابن رجب ان عبد الله ابن الامام احمد، وسعيد بن منصور اخرجا عن اُبيٍّ رضي الله عنه: ان النبي صلي الله عليه وسلم قرا (براءه) يوم الجمعه.
وقد ورد في فضل الايتين الاخيرتين من هذه السوره ما رواه ابو داود موقوفاً وابن السني عن ابي الدرداء مرفوعاً، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح وحين يمسي: {حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} سبع مرات، كفاه الله ما اهمه من امر الدنيا والاخره).
قال ابن عاشور: “افتتحت السوره كما تفتتح العهود وصكوك العقود بادل كلمه علي الغرض الذي يراد منها، كما في قولهم: هذا ما عهد به فلان، وهذا ما اصطلح عليه فلان وفلان، وقول الموثقين: باع، او وكَّل، او تزوَّج، وذلك هو مقتضي الحال في انشاء الرسائل والمواثيق ونحوها”. وبالفعل فان هذه السوره ابتدات حديثها باعلان البراءه من افعال الكافرين، واعلنت المفاصله بين اهل الحق واهل الباطل، واهل الايمان واهل الشرك، واهل الاسلام واهل النفاق.
هذا من حيث فاتحه السوره، وتحديد هدفها العام، ثم وراء ذلك تضمنت السوره مقاصد اُخر، منها:
- معاداه من اعرض عن اتباع الداعي الي الله في توحيده، واتباع ما يرضيه، وموالاه من اقبل عليه. يدل علي هذا المقصد: قصه الثلاثه المخلَّفين، فانهم هُجروا، واُعرض عنهم بكل اعتبار، حتي بالكلام وبالسلام، الي ان تاب الله عليهم.
- تضمنت السوره من اسماء الله الحسني وصفاته العلي الكثير؛ وذلك لتذكير تالي القران وسامعه المره بعد المره بربه وخالقه، وما هو متصف به من صفات الكمال، الذي يثمر له زياده تعظيمه وحبه والرجاء في رحمته واحسانه، والخوف من عقابه، لمن اعرض عن هدايه كتابه، او خالف حكمته وسننه في خلقه، وهذا اعلي مقاصد القران، في اكمال الايمان، واعلاء شان الانسان.
- تقرير عده عقائد من اصول الايمان، وكمال التوحيد، وحصول اليقين، جُمعت كلها في ايه واحده من هذه السوره، وهي قوله تعالي: {قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلي الله فليتوكل المؤمنون} (التوبه:51). فالمؤمن يعتقد ان الله تعالي هو مولاه الذي يتولي نصره وتوفيقه; فهو بمقتضي ايمانه يتوكل عليه ويفوض امره اليه.
- بيان ان من مقتضي الايمان الصحيح، تحري المؤمن ارضاء الله ورسوله معاً; ذلك بان كل ما يرضي رسوله صلي الله عليه وسلم يرضي الله سبحانه، فرضا الله ورضا رسوله متلازمان، لا ينفكان، ولا يقبل ايمان عبد من غير اجتماعهما.
- بيان علو مكانه رسول الله صلي الله عليه وسلم وعنايه الله تعالي به وحفظه ورعايته وتكريمه وتاديبه وتكميله اياه.
- حظر التخلف عن هديه صلي الله عليه وسلم وسنته، والرغبه بالنفس عن نفسه، وبيان ان كل من يصون نفسه عن جهاد وعمل، بذل الرسول صلي الله عليه وسلم نفسه فيه، فهو مفضل لنفسه علي نفسه الكريمه في عهده، ومن ثم فانه ينبغي لكل مؤمن ان يتاسي به صلي الله عليه وسلم في بذله ماله ونفسه لله والجهاد في سبيل الله بقدر امكانه.
- تقرير ان دين الاسلام هو نور الله تعالي العام، وهداه الكامل التام، الذي نسخ به ما تقدمه من الاديان، ووعد الله عز وجل باتمامه، وخذلان مريدي اطفائه.
- بيان ان اقامه الصلاه وايتاء الزكاه هما مدخل الاسلام ومفتاحه وما يتحقق به، وهو قوله تعالي في المشركين: {فان تابوا واقاموا الصلاه واتوا الزكاه فاخوانكم في الدين} (التوبه:11).
- بيان ان بناء الاسلام علي العلم الصحيح، دون التقليد الذي ذمه القران، {اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما امروا الا ليعبدوا الها واحدا} (التوبه:31).
- التاكيد علي المساواه بين الرجال والنساء في ولايه الايمان المطلقه ، في قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض} (التوبه:71). والمساواه بينهما في جميع نعيم الاخره تبعاً للمساواه في التكليف، يفهم ذلك من قوله سبحانه: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبه في جنات عدن ورضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم} (التوبه:72).
- كون بذل الاموال في سبيل الله ايه الايمان الصحيح وقِوام الدين الحنيف، وفضل النفقه في الجهاد قلَّت او كثرت، وكون الجزاء عليها احسن الجزاء. وكون البخل والامتناع عن الانفاق في سبيل الله ايه الكفر والنفاق.
- بيان فوائد الزكاه المفروضه والصدقات، واصلاح الاسلام النظام المالي للبشر، وامتيازه بذلك علي جميع الاديان.
- اعلان البراءه من المشركين، لدفع المفاسد المترتبه علي بقائها.
- التاكيد علي اهميه الجهاد في سبيل الله؛ لنشر دينه، وقتال من يقف في وجه دعوه الاسلام، وتوعد الذين يتقاعسون عن الجهاد بحياه الذل والعذاب الاليم في الدنيا والاخره.
- عقد المعاهدات مع الدول والامم من حقوق الامه، لها غُنْمها، وعليها غُرمها، وانما يعقدها الامام او نائبه من حيث انه هو الممثل لوحده الامه. ووجوب الوفاء بالمعاهده ما دام الطرف الاخر من الاعداء يفي بها، ولا ينقص منها شيئاً.
- بينت السوره ان الهدنه بين المسلمين ومن حاربهم مشروعه، وللمسلمين ان يبدؤوا بها اذا اقتضت مصلحتهم ذلك.
- تامين الحربي، بالاذن له بدخول دار الاسلام جائز للمصلحه، فاذا استامن لاجل سماع كلام الله، او الوقوف علي حقيقه الاسلام، وجبت اجارته ثم ابلاغه مامنه عند الخروج من دار الاسلام.
- ذم القران للكفار والمنافقين، ونزاهته في ذمهم عن السب والشتم، ووصفهم بانهم لا يرقبون ولا يراعون في احد من المؤمنين قرابه ولا عهداً، وانهم يصدون عن سبيل الله، وان اكثرهم فاسقون، وانهم هم المعتدون، واشد ما وصفهم به انهم رجس، وانه كلما نزلت سوره من القران زادتهم رجساً الي رجسهم، حتي ماتوا علي كفرهم.
- بيان سياسه الاسلام في التعامل مع المنافقين، وان من اظهر الاسلام منهم يعامل كما يعامل سائر المسلمين؛ لان قاعده الاسلام في هذا الصدد: ان الحكم علي الظواهر، وان الله تعالي وحده هو الذي يحاسب، ويعاقب علي السرائر.