تفسير الشعراوي لحوار السيد المسيح مع الله
Carter Sullivan 10/19 15:20
قال تعالي: {اِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَي اِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ اِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا اِلَي يَوْمِ الْقِيَامَهِ ثُمَّ اِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَاَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.. [أل عمران : 55].
لقد جاء الحق سبحانه بعد عرضه لمساله المكر بهذا القول الحكيم، وذلك دليل علي ان عيسي عليه السلام احس من بني إسرائيل الكفر، والتبييت، ومؤامره للقتل فطمان الله عيسي الي نهايه المعركه. {اِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ اِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ الي يَوْمِ القيامه}. انها اربعه مواقف، ارادها الله لعيسى ابن مريم عليه السلام.
ونريد ان نقف الان عند كلمه قول الحق: {مُتَوَفِّيكَ}. نحن غالبا ما ناخذ معني بعض الالفاظ من الغالب الشائع، ثم تموت المعاني الاخري في اللفظ ويروج المعني الشائع فنفهم المقصد من اللفظ. ان كلمه (التوفي) نفهمها علي انها الموت، ولكن علينا هنا ان نرجع الي اصل استعمال اللفظه، فانه قد يغلب معني علي لفظ، وهذا اللفظ موضوع لمعان متعدده، فياخذه واحد ليجعله خاصا بواحد من هذه. ان كلمه (التوفي) قد ياخذها واحدا لمعني (الوفاه) وهو الموت. ولكن، الم يكن ربك الذي قال: {اِنِّي مُتَوَفِّيكَ}؟ وهو القائل في القران الكريم: {وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليقضي اَجَلٌ مُّسَمًّي ثُمَّ اِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.. [الانعام: 60].
اذن {يَتَوَفَّاكُم} هنا باي معني؟ انها بمعني ينيمكم. فالنوم معني من معاني التوفي. الم يقل الحق في كتابه ايضا الذي قال فيه: {اِنِّي مُتَوَفِّيكَ}. {الله يَتَوَفَّي الانفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قضي عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الاخري الي اَجَلٍ مُّسَمًّي اِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.. [الزمر: 42].
لقد سمي الحق النوم موتا ايضا. هذا من ناحيه منطق القران، ان منطق القران الكريم بين لنا ان كلمه (التوفي) ليس معناها هو الموت فقط ولكن لها معان اخري، الا انه غلب اللفظ عند المستعملين للغه علي معني فاستقل اللفظ عندهم بهذا المعني، فاذا ما اطلق اللفظ عند هؤلاء لا ينصرف الا لهذا المعني، ولهؤلاء نقول: لا، لابد ان ندقق جيدا في اللفظ ولماذا جاء؟
وقد يقول قائل: ولماذا يختار الله اللفظ هكذا؟ والاجابه هي: لان الاشياء التي قد يقف فيها العقل لا تؤثر في الاحكام المطلوبه وياتي فيها الله باسلوب يحتمل هذا، ويحتمل ذلك، حتي لا يقف احد في امر لا يستاهل وقفه. فالذي يعتقد ان عيسي عليه السلام قد رفعه الله الي السماء ما الذي زاد عليه نت احكام دينه؟ والذي لا يعتقد ان عيسي عليه السلام قد رُفع، ما الذي نقص عليه من احكام دينه، ان هذه القضيه لا تؤثر في الاحكام المطلوبه للدين، لكن العقل قد يقف فيها؟ فيقول قائل: كيف يصعد الي السماء؟ ويقول اخر: لقد توفاه الله.
وليعتقدها اي انسان كما يريد لانها لا تؤثر في الاحكام المطلوبه للدين.
اذن، فالاشياء التي لا تؤثر في الحكم المطلوب من الخلق ياتي بها الله بكلام يحتمل الفهم علي اكثر من وجه حتي لا يترك العقل في حيره امام مساله لا تضر ولا تنفع. وعرفنا الان ان (توفي) تاتي من الوفاه بمعني النوم من قوله سبحانه: {وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليقضي اَجَلٌ مُّسَمًّي ثُمَّ اِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.. [الانعام: 60].
ومن قوله سبحانه وتعالي: {الله يَتَوَفَّي الانفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قضي عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الاخري الي اَجَلٍ مُّسَمًّي اِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .. [الزمر: 42].
ان الحق سبحانه قد سمي النوم موتا لان النوم غيب عن حس الحياه. واللغه العربيه توضح ذلك، فانت تقول- علي سبيل المثال- لمن اقرضته مبلغا من المال، ويطلب منك ان تتنازل عن بعضه لا، لابد ان استوفي مالي، وعندما يعطيك كل مالك، تقول له: استوفيت مالي تماما، فتوفيته، اي انك اخذته بتمامه.
اذن، فمعني {مُتَوَفِّيكَ} قد يكون هو اخذك الشيء تاما. اقول ذلك حتي نعرف الفرق بين الموت والقتل، كلاهما يلتقي في انه سلب للحياه، وكلمه (سلب الحياه) قد تكون مره بنقض البنيه، كضرب واحد لاخر علي جمجمته فيقتله، هذا لون من سلب الحياه، ولكن بنقض البنيه. اما الموت فلا يكون بنقض البنيه، انما ياخذ الله الروح، وتبقي البنيه كما هي، ولذلك فرق الله في قرانه الحكيم بين (موت) و(قتل) وان اتحدا معا في ازهاق الحياه. {وَمَا مُحَمَّدٌ اِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل اَفاِنْ مَّاتَ اَوْ قُتِلَ انقلبتم علي اَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ علي عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً وَسَيَجْزِي الله الشاكرين}.. [ال عمران: 144].
ان الموت والقتل يؤدي كل منهما الي انتهاء الحياه، لكن القتل ينهي الحياه بنقض البنيه، ولذلك يقدر بعض البشر علي البشر فيقتلون بعضهم بعضا. لكن لا احد يستطيع ان يقول: (انا اريد ان يموت فلان)، فالموت هو ما يجريه الله علي عباده من سلب للحياه بنزع الروح. ان البشر يقدرون علي البينه بالقتل، والبينه ليست هي التي تنزع الروح، ولكن الروح تحل في الماده فتحيا، وعندما ينزعها الله من الماده تموت وترم اي تصير رمه.
اذن، فالقتل انما هو اخلال بالمواصفات الخاصه التي ارادها الله لوجود الروح في الماده، كسلامه المخ او القلب. فاذا اختل شيء من هذه المواصفات الخاصه الاساسيه فالروح تقول: (انا لا اسكن هنا).
ان الروح اذا ما انتزعت، فلانها لا تريد ان تنتزع.. لاي سبب ولكن البنيه لا تصلح لسكنها. ونضرب المثل ولله المثل الاعلي.
ان الكهرباء التي في المنزل يتم تركيبها، وتعرف وجود الكهرباء بالمصباح الذي يصدر منه الضوء. ان المصباح لم يات بالنور، لان النور لا يظهر الا في بنيه بهذه المواصفات بدليل ان المصباح عندما ينكسر تظل الكهرباء موجوده، ولكن الضوء يذهب. وكذلك الروح بالنسبه للجسد. ان الروح لا توجد الا في جسد له مواصفات خاصه. واهم هذه المواصفات الخاصه ان تكون خلايا البنيه مناسبه، فان توقف القلب، فمن الممكن تدليكه قبل مرور سبع ثوان علي التوقف، لكن ان فسدت خلايا المخ، فكل شيء ينتهي لان المواصفات اختلت.
اذن، فالروح لا تحل الا في بنيه لها مواصفات خاصه، والقتل وسيله اساسيه لهدم البنيه؛ واذهاب الحياه، لكن الموت هو ازهاق الحياه بغير هدم البنيه، ولا يقدر علي ذلك الا الله سبحانه وتعالي. ولكن خلق الله يقدرون علي البينه، لانها ماده ولذلك يستطيعون تخريبها.
اذن، (فمتوفيك) تعني مره تمام الشيء، (كاستيفاء المال) وتعني مره (النوم). وحين يقول الحق: {اِنِّي مُتَوَفِّيكَ} ماذا يعني ذلك؟ انه سبحانه يريد ان يقول: اريدك تماما، اي ان خلقي لا يقدرون علي هدم بنيتك، اني طالبك الي تاما، لانك في الارض عرضه لاغيار البشر من البشر، لكني ساتي بك في مكان تكون خالصا لي وحدي، لقد اخذتك من البشر تامّاً، ومعني (تاما)، اي ان الروح في جسدك بكل مواصفاته، فالذين يقدرون عليه من هدم الماده لم يتمكنوا منه.
اذن، فقول الحق: {وَرَافِعُكَ اِلَيَّ} هذا القول الحكيم ياتي مستقيما مع قول الحق: {مُتَوَفِّيكَ}. وقد يقول قائل: لماذا ناخذ الوفاه بهذا المعني؟ نقول: ان الحق بجلال قدرته كان قادرا علي ان يقول: اني رافعك اليّ ثم اتوفاك بعد ذلك. ونقول ايضا: من الذي قال: ان (الواو) تقتضي الترتيب في الحدث؟ الم يقل الحق سبحانه: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}.. [القمر: 16].
هل جاء العذاب قبل النذر او بعدها؟ ان العذاب انما يكون من بعد النذر. ان (الواو) تفيد الجمع للحدثين فقط. الم يقل الله في كتابه ايضا: {وَاِذْ اَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَاِبْرَاهِيمَ وموسي وَعِيسَي ابن مَرْيَمَ وَاَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الاحزاب: 7].
ان (الواو) لا تقتضي ترتيب الاحداث، فعلي فرض انك قد اخذت {مُتَوَفِّيكَ} اي (مميتك)، فمن الذي قال: ان (الواو) تقتضي الترتيب في الحدث؟ بمعني ان الحق يتوفي عيسي ثم يرفعه. فاذا قال قائل: ولماذا جاءت {مُتَوَفِّيكَ} اولا؟ نرد علي ذلك: لان البعض قد يظن ان الرفع تبرئه من الموت.
ولكن عيسي سيموت قطعا، فالموت ضربه لازب. ومساله يمر بها كل البشر. هذا الكلام من ناحيه النص القراني. فاذا ما ذهبنا الي الحديث وجدنا ان الله فوّض رسوله صلي الله عليه وسلم ليشرح ويبين، الم يقل الحق: {وَاَنْزَلْنَا اِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ اِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.. [النحل: 44].
فالحديث كما رواه البخاري ومسلم: (كيف انتم اذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم)؟.
اي ان النبي صلي الله عليه وسلم بين لنا ان ابن مريم سينزل مره اخري. ولنقف الان وقفه عقليه لنواجه العقلانيين الذين يحاولون اشاعه التعب في الدنيا فنقول: يا عقلانيون اقبلتم في بدايه عيسي ان يوجد من غير اب علي غير طريقه الخلق في الايجاد والميلاد؟ سيقولون نعم. هنا نقول: اذا كنتم قد قبلتم بدايه مولده بشيء عجيب خارق للنواميس فكيف تقفون في نهايه حياته ان كانت خارقه للنواميس؟. ان الذي جعلكم تقبلون العجيبه الاولي يمهد لكم ان تقبلوا العجيبه الثانيه. ان الحق سبحانه يقول: {اِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ اِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ الي يَوْمِ القيامه}.. [ال عمران: 55].
انه سبحانه يبلغ عيسي انني ساخذك تاما غير مقدور عليك من البشر ومطهرك من خبث هؤلاء الكافرين ونجاستهم، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا الي يوم القيامة. وكلمه (اتبع) تدل علي ان هناك (مُتَّبعاً) يتلو مُتّبعا. اي ان المتبِّع هو الذي ياتي بعد، فمن الذي جاء من بعد عيسي بمنهج من السماء؟ انه محمد صلي الله عليه وسلم. ولكن علي اي منهج يكون الذين اتبعوك؟ اعلي المنهج الذي جاؤا به ام المنهج الذي بلغته انت يا عيسي؟ ان الذي يتبعك علي غير المنهج الذي قلته لن يكون تبعا لك، ولكن الذي ياتي ليصحح الوضع علي المنهج الصحيح فهو الذي اتبعك. وقد جاء محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم ليصحح الوضع ويبلغ المنهج كما اراده الله. {وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ الي يَوْمِ القيامه} فان اخذنا المعني بهذا؛ فان امه محمد صلي الله عليه وسلم هي التي اتبعت منهج الله الذي جاء به الرسل جميعا، ونزل به عيسي ايضا، وان امه محمد قد صححت كثيرا من القضايا التي انحرف بها القوم. نقول ليس المراد هنا من (فوق) الغلبه والنصر، ولكننا نريد من (فوق) الحجه والبرهان. وذلك انما يحدث في حاله وجود قوم منصفين عقلاء يزنون الامور بحججها وادلتها وهم لن يجدوا الا قضيه الاسلام وعقيده الاسلام.
اذن، فالفوقيه هي فوقيه ظهور دليل وقوه برهان. ولذلك قال الحق سبحانه: {هُوَ الذي اَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدي وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَي الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون}.. [التوبه: 33].
وفي موقع اخر من القران الكريم، يؤكد الحق ظهور الاسلام علي كافه الاديان وهو الشاهد علي ذلك: {هُوَ الذي اَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدي وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَي الدين كُلِّهِ وكفي بالله شَهِيداً}.. [الفتح: 28].
ومعني ذلك ان الله قد اراد للاسلام ان يظهر علي كل الاديان. وقد يقول قائل: ان في العالم اديانا كثيره، ولم يظهر عليها الاسلام، والموجودون من المسلمين في العالم الان مليار واضعاف ذلك من البشر علي ديانات اخري. نقول لمثل هذا القائل: ان الله اراد للاسلام ان يظهره اظهار حجه، لا من قِبَلِكم انتم فقط ولكن من قِبلهم هم كذلك، والناس دائما حين يجتمعون ليشرعوا القوانين وليحددوا مصالح بعضهم بعضا، يلجاون اخيرا الي الاسلام. فلننظر الي من يشرع من جنس تشريع الارض ولنسال ارايت تشريعا ارضيا ظل علي حاله؟ لا، ان التشريع الارضي يتم تعديله دائما.
لماذا لان الذي وضع التشريع الاول لم يكن له من العلم ما يدله علي مقتضيات الامور التي تَجدّ، فلما جَدّت امور في الحياه لم تكن في ذهن من شرع اولا، احتاج الناس الي تعديل التشريع. ولنمسك باي قانون بشري معدل في اي قضيه من قضايا الكون، ولننظر الي اي اتجاه يسير؟ انه دائما يتجه الي الاسلام، وان لم يلتق مع الاسلام فانه يقرب من الاسلام. وعندما قامت في اوروبا ضجه علي الطلاق في الاسلام، ما الذي حدث؟ جاء التشريع بالطلاق في ايطاليا تحت سمع وبصر الفاتيكان. هل شرعوا الطلاق لان الاسلام اباح الطلاق؟ لا. انما شرعوه لان امور الحياه اخضعتهم الي ضروره تشريع الطلاق، فكانهم اقاموا الدليل بخضوعهم لامور الحياه علي ان ما جاء به الاسلام قبل التجربه كان حقا. بدليل ان اوربا لجات الي تشريع الطلاق لا كمسلمين ولكن لان مصالح حياتهم لا تتاتي الا به.
وهل هناك ظهور وغلبه اكثر من الدليل الذي ياتي من الخصم؟ تلك هي الغلبه. لقد وصلوا الي تشريع الطلاق، رغم كراهيتهم للاسلام كدليل علي صدق ما جاء به الاسلام. وفي الربا، الذي يريد البعض هنا ان يحلله، تجد اوربا تحاول التخلص منه، لانهم توصلوا بالتجربه الي ان المال لا يؤدي وظيفته في الحياه الا اذا انخفضت الفائده الي الصفر اي؟انهم عرفوا ان الغاء الربا ضروري حتي يؤدي المال وظيفته الحقيقيه في الحياه، والذي الجاهم الي الوصول الي هذه الحقيقه هو ان فساد الحياه سببه الربا، فارادوا ان يمنعوا الربا. لقد وصلوا الي ما بدا به الاسلام من اربعه عشر قرنا. اتريد غلبه، وتريد فوقا، وتريد ظهورا، اكثر من هذا بالنسبه لدين الله؟
اذن، ففهم الخصوم ما يصلح امر الحياه اضطرهم الي الاخذ بمبادئ الاسلام ونتابع بالتامل قول الحق: {وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ الي يَوْمِ القيامه}، اي ان الحق جاعل الذين ساروا علي المنهج الاصيل القادم من الله فوق الذين كفروا.
فالذين يقولون فيك يا عيسي ابن مريم ما لا يقال من الوهيه، هل اتبعوك؟ لا.. لم يتبعوك.
ان الذي يتبع عيسي هو الذي ياتي علي المنهج القادم من الله. ان عيسي ابن مريم رسول الي بني اسرائيل. وديانات السماء لا تاتي لعصبيات الجنس او القوميه او الاوطان او غير ذلك، ولكن المنهج هو الذي يربط الناس بعضهم ببعض، ولذلك جاء لنا الحق بقصه سيدنا نوح لنتعرف علي هذه المعاني. لقد وعد الله سيدنا نوحا ان ينجي له اهله. وعندما دعا نوح عليه السلام ابنه ليركب معه: ولكن ابن نوح رفض، فقال نوح عليه السلام لله: {وَنَادَي نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ اِنَّ ابني مِنْ اَهْلِي وَاِنَّ وَعْدَكَ الحق وَاَنتَ اَحْكَمُ الحاكمين}.. [هود: 45].
فهل الاهليه بالنسبه للانبياء هي التي قالها نوح هل اهليه الدم؟ لا، لان الحق قال: {قَالَ يانوح اِنَّهُ لَيْسَ مِنْ اَهْلِكَ اِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اني اَعِظُكَ اَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين} .. [هود: 46].
لماذا؟ لان اهل النبوه هم المؤمنون بها فالذين اتبعوا المنهج الذي جاء به المسيح من عند الله ليس من يطلق علي نفسه النسب للمسيح، ومن يطلق علي نفسه انه يهودي ان هذه اسماء فقط. ان المتبع الحق هو من يتبع المنهج المنزل من عند الله. ان الانبياء ميراثهم المنهج والعلم. الم يقل رسول الله صلي الله عليه وسلم علي سلمان وهو فارسي لا يجتمع مع رسول الله في ارومه عربيه: (سلمان منا آل البيت).
وهكذا انتسب سلمان الي ال البيت بحكم ايمانه، وبنص حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم.
اذن: (وجاعل الذي اتبعوك فوق الذي كفروا الي يوم القيامه)، اي ان الحق سبحانه قد جعل الفوقيه للذين يتبعون المنهج الحق القادم من عند الله. والذي يصوب منهج عيسي هو محمد رسول الله هل تكون الفوقيه هي فوقيه مساحه جغرافيه؟ لان رقعه من الارض التي تتبع الديانات الاخري غير الاسلام اكبر مساحه من رقعه ارض المؤمنين بالاسلام؟ لا.. فالفوقيه تكون فوقيه دليل.
وقد يقول قائل: ان الدليل لا يلزم. نرد قائلين: كيف لا يلزم الدليل؟ ونحن نري الذين لا يؤمنون به يدللون عليه. كيف يدللون عليه؟ انهم يسيرون فيما يقننون من قوانين البشر الي ما سبق اليه تقنين السماء. وما دام هنا في هذه الايه كلمه (فوق) وكلمه (كفروا) وهناك اتباع اذن، فهناك قضيه وخصومه، وهناك حق، وهناك باطل، وهناك هدي، وهناك ضلال. فلابد من الفصل في هذه القضيه.