تفسير الشعراوي للآية 249 من سورة البقرة
Emily Baldwin 06/08 09:11
قال تعالي: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ اِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَاِنَّهُ مِنِّي اِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَهً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ اِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ امَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَهَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ اَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَهٍ قَلِيلَهٍ غَلَبَتْ فِئَهً كَثِيرَهً بِاِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.. [البقره : 249].
الفصل هو ان تعزل شيئا عن شيء اخر، ومثل ذلك قوله تعالي: {وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قَالَ اَبُوهُمْ اِنِّي لاَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}.. [يوسف : 94].
{فَصَلَتِ العير} اي غادرت مصر وخرجت منه. ونحن نستخدم كلمه (فصل) في تبويب الكتب، ونقصد به قدراً من المعلومات المترابطه التي تكون وحده واحده، وعندما تنضم الفصول مع بعضها في الكتب تصير ابواباً، وعندما تنظم الابواب الموضوعه في مجال علم واحد مع بعضها نقول عنها: هذا (كتاب).
ونحن نستخدم كلمه (فصل) في وصف مجموعه من التلاميذ المتقاربين في العمر والمستوي الدراسي ونقسمهم الي فصل اول وثانٍ وثالث، علي حسب سعه الفصول وعدد التلاميذ. وهكذا نفهم معني قول الحق: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود} اي فصلهم عن بقيه غير المقاتلين، وقسمهم الي جماعات مرتبه، وكل جماعه لها مهمه.
وكلمه (جنود) هي جمع (جند) وهي مفرده لكنها تدل علي جماعه، واصل الكلمه من (جَنَد) وهي الارض الغليظه الصلبه القويه، ونظرا لان الجنود مفروض فيهم الغلظه والقوه فقد اُطلق عليهم لفظ: جُنْد. وبرغم ان كلمه (جند) مفرد؛ الا انها تدل علي القوم مثل (رهط) و(طائفه) ويسمونها اسم جمع. {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ اِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} اي عندما خرج الي مكان اقامه الجيش بدا في مباشره اولي مهماته كملك، لقد اراد ان يختبرهم، فهم قوم وقفوا ضد تعيينه ملكاً، لذلك اراد ان يدخل الحكم علي ارض صلبه. فقال لهم عن الحق: {اِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَاِنَّهُ مني اِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَهً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ اِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}.
لقد اوضح لهم: انتم مقبلون علي مهمه لله في سبيل الله، وهو سبحانه الذي سيجري عليكم الاختبار، ولست انا لان الاختبار يكون علي قدر المهمه؛ انا مشرف فقط علي تنفيذ الامر، والله مبتليكم بنهر من يشرب منه فليس منا الا من اغترف غرفه بيده.
وساعه تسمع كلمه {مُبْتَلِيكُمْ} فلا تفسرها علي انها مصيبه، ولكن فسرها علي انها اختبار، قد ينجح من يدخل وقد يفشل. والاختبار هنا بنهر. ومادام كان الاختبار بنهر فلابد ان لهذه الكلمه موقعاً واثراً نفسيا عندهم، لابد انهم كانوا عِطاشاً، والا لو لم يكونوا عطاشاً لما كان النهر ابتلاء. {اِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}.
انهم عطاش، وساعه يُري الماء فسيقبلون عليه بنهم شرباً ورياً، ومع ذلك يختبر الحق صلابتهم فيطالبهم بان يمتنعوا عن الشرب منه، لقد جاء الاختبار في منعهم مما تصبو اليه نفوسهم.
{فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} لماذا؟
لانهم ساعه يرون ما يحبونه ويشتهونه فسيندفعون اليه وينسون امر الله. ومن ينس امر الله ويفضل نفسه، فهو غير مامون ان يكون في جند الله. لكن الذي يري الماء ويمتنع عنه وهو في حاجه اليه، فهو صابر قادر علي نفسه، وسيكون من جند الله، لانه اثر مطلوب الله علي مطلوب بطنه، وهو اهل لان يُبتلي.
ومع ذلك لم يَقْسُ الله في الابتلاء، فاباح ما يفك العطش ولم يحرمهم منه نهائياً. {اِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَاِنَّهُ مني اِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَهً بِيَدِهِ} لقد سمح لهم بغرفه يد تسد الرمق وتستبقي الحياه، اباح لهم ما تقتضيه الضروره. لكن ما صله هذا الابتلاء بالعمليه التي سيقبلون عليها؟
ان العمليه الحربيه التي سيدخلونها سيقابلون فيها الويل وسيعرضون لنفاذ الزاد وهم ايضا عرضه لان يحاصرهم عدوهم، وعلي الانسان المقاتل في مثل هذه الامور ان يقوي علي شهوته وياخذ من زاده ومائه علي قدر ضروره استبقاء الحياه، لذلك تكفي غرفه واحده لاستبقاء الحياه. كان التدريب هنا ضروره للمهمه. فهل فعلوا ذلك؟
ياتينا الخبر من الحق {فَشَرِبُواْ مِنْهُ اِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}. وهكذا تتم التصفيه، ففي البدايه سبق لهم ان تولوا واعرضوا عن القتال الا قليلا، وهنا امتنع عن الشرب قليل من القليل، وهذه غرابيل الاصطفاء او مصافي الاختبار، فقد يقوي واحد علي نصف المشقه، ويقوي اخر علي ثلث المشقه، ويقوي ثالث علي ربعها. لقد بقي منهم القليل، لكنه القليل الذي يصلح للمهمه؛ انّه الذي ظل علي الايمان.
وانظر كيف تكون مصافي الابتلاء في الجهاد في سبيل الله؟ حتي لا يحمل رايه الجهاد الا المامون عليها الذي يعرف حقها. {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين امَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَهَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} اي عندما عبروا النهر واجتازوا كل الاختبارات السابقه قال بعضهم: {لاَ طَاقَهَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} لقد خاف بعض منهم من الاختبار الاخير، ولكن الذين امنوا بالله لم يخافوا، ويقول الحق: {قَالَ الذين يَظُنُّونَ اَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَهٍ قَلِيلَهٍ غَلَبَتْ فِئَهً كَثِيرَهً بِاِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين}.
لقد اختلفت المواجيد وان اتحدت المرائي. فالذين جاوزوا النهر انقسموا قسمين، قسم راي جالوت وجنوده، والقسم الاخر راوه ايضا، ولم ينقسموا عند الرؤيه لكنهم انقسموا عند المواجيد التابعه للرؤيه، فقسم خاف وقسم لم يخف، والذين خافوا قالوا: {لاَ طَاقَهَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} لقد وجد الخوف من جالوت وجنوده في نفوسهم فقالوا: {لاَ طَاقَهَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ}، لقد مروا بثلاث مراحل؛ المرحله الاولي: هي ادراك لجالوت وجنوده، والثانيه: هي وجدان متوجس من قوه جالوت وجنوده، والاخيره: هي نزوع الي الخوف من جالوت وجنوده، لكن القسم الذي لم يخف راوا المشهد ايضا وجاء فيهم قول الله: {قَالَ الذين يَظُنُّونَ اَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَهٍ قَلِيلَهٍ غَلَبَتْ فِئَهً كَثِيرَهً بِاِذْنِ الله}.
كانهم ادخلوا ربهم في حسابهم فاستهانوا بعدوهم، لكن الفئه السابقه عزلت نفسها عن ربها فراوا انفسهم قله فخافوا. لقد كان مجرد ظن الفئه المؤمنه انهم ملاقو الله قد جعل لهم هذه العقيده، واذا كان هذا حال مجرد الظن فما بالك باليقين؟ {كَم مِّن فِئَهٍ قَلِيلَهٍ غَلَبَتْ فِئَهً كَثِيرَهً بِاِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين}. ونعرف ان هناك معارك يفوز فيها الاقدر علي الصبر، ودليلنا علي ذلك قول الحق: {اِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ اَلَنْ يَكْفِيكُمْ اَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَهِ الاَفٍ مِّنَ الملائكه مُنزَلِينَ}.. [ال عمران: 124].