طلال مداح صوت الخليج في القرن العشرين
Carter Sullivan 08/11 14:18
الممكله العربيه السعوديه- احمد الواصل:
يُمثل صوت طلال مداح، ضمن المنتصف الثاني من تجارب عربيه احد الاسماء الفاعله في المشهد الثقافي من بين جيله علي المستوي العربي: فيروز وعبد الحليم حافظ وورده وعبد الكريم عبد القادر، ويختلف عنهم بانه الي جانب غنائه يعد ملحنًا غير ان ما لا يعرف عنه بانه عمل منتجًا ومكتشف اصوات واعد برامج تلفزيونيه والف اعمالًا دراميه وكوميديه للاذاعه والتليفزيون.
مكنتني تجربه الاستماع اليه لفترات طويله من عمري، حتي بدايه الكتابه والنقد منذ 1999 بشكل تخصصي، من وضع دراسات عده، اما تتصل باعمال صدرت في وقتها او بعد وفاته، واما بوضع دراسات عن مجمل التجربه كالتي صدرت في حلقات خمس بعنوان "طلال مداح مؤسِّس الحداثه الغنائيه السعوديه" عام 2008، بالاضافه الي فصل خاص في كتاب "تغني الارض" 2010، وقيد الاعداد كتاب "ما بعد طلال مداح:من ملفات الحداثه الغنائيه" يحتل فيه اكثر من نصف الكتاب.
استطاع طلال مداح في منتصف القرن العشرين، ان يحسم امر موقفه من شكل الاغنيه التي كانت تتخذ جمله شعريه ولحنيه موحده متكرره في الاغنيه، ما لم يكسر رتابتها ارتجال لحني او موال او رقصه، وهذا تجلي في الحان طارق عبد الحكيم، وفوزي محسون، وعبد الله محمد، وقد وضع طلال ذلك في ذهنه ليضع لحنه الاول: "ورد يا زارع الورد"، 1960، كلمات عبدالكريم خزام.
كانت رحله طلال الي بيروت عام 1962، التي سجَّل فيها قصيده: "سويعات الاصيل" (ندي الجزيره- محمد الادريسي)، واغنيه: "اهل الهوي" (شاعر نجدي) من التراث الخليجي، اولي تجاربه في احتراف الغناء. ونلمس في تسجيل طلال لقصيده كذلك من تراث خارج منطقته ما يكشف ثقافه وتطلع طلال نفسه الي شكل الاغنيه والي تشربه الوانًا مغايره.
التقي طلال بلطفي زيني ليؤسِّسا معًا شركه "رياض فون" عام 1964- 1970، مع الشاعر المنتظر خالد بن تركي، وستظهر اغنيات تحاكي الواقع الاجتماعي بين رافدين من طاهر زمخشري شاعرًا، وغازي علي ملحنًا، في اغنيات شهيره: "سلام لله يا هاجرنا"، و"اسمر حليوه".
كذلك ورشه عمل اخري بين الشاعره ثريا قابل، احدي اوائل الصحفيات والشاعرات السعوديات، والشاعر صالح جلال والحان فوزي محسون بمثل: "كلام البارح تغير ويا حياتي"، وفي جهه اخري مع الشاعرين؛ احمد صادق، وخالد زارع، والحان طلال نفسه، حيثُ استطاع كل من زيني ومدَّاح تبني مواهب واطلاق اسمائها الفنيه مثل: المغنيه عتاب "طرفه ال طلال"، والصوت الكبير ابتسام لطفي "خيريه قربان"، وعازف العود والمغني عبادي الجوهر.
وربما لتوقف مرحله الاسطوانات عام 1970، بدخول مرحله الكاسيت، دون توفر شركات انتاجيه، وحفظ الحقوق، وعدم توفر مسارح، وفرق غنائيه كبيره تلبي طموح طلال وملحنه الجديد سراج عمر، فتوجَّه طلال مداح الي مصر حيثُ اطلق اغنيه: "مقادير" 1976، في استاد نادي الترسانه امام 30 الف متفرج، مواكبًا حركه الغناء العربي بمصر بين مواهب كبيره شكلت جيلًا كاملًا مثل: فايزه احمد، وعبد الحليم حافظ، ونجاه الصغيره، وورده الجزائريه، التي اختارت غناء: "مقادير" في برنامج انتجه طلال للتليفزيون السعودي 1978، حيث اشهرت اللحن في رحلاتها الغنائيه المختلفه لدول عربية اخري.
هذا ما جعل طلال يضع تصورًا مهمًا لاغانٍ وضع الحانها بنفسه، من شعر بدر عبد المحسن كانت حاسمه في ارتقاء تطور الاغنيه نحو توظيف عناصر تمثيليه، ومناجاتيه، وحواريه، مثل: "قصت ضفايرها"، "يا طفله تحت المطر"، و"سيدي قم"، وصولًا الي اغنيات متطوره في بنائها وفكرها اللحني والشعري مهمه: "زمان الصمت" و"ليله تمرين"، و"صعب السؤال"، كذلك تجربته مع نصوص فايق عبد الجليل المهمه: "حبيبي اختار" و"لوما احبك" و"زلزليني وصولًا الي اغنيه: "طيب" 1994 (لحن: يوسف المهنا).
اما في عام 1985 واصل استيعاب الملحنين الاخرين رغم صعوبه مسار طلال مداح مع الاغنيه في تطورها الشديد وتطلبه الي مستوي وملامح خاصه في اعماله منتقاه غير منفرطه حين قدَّم مع الملحن عبد الرب إدريس نهايه الثمانينيات لحنًا رائعًا: احرجتني فيما قدم خالد الزايد لحنين: "من الجفا"، و"ابعد وخلني"، وتميز لحن غنام الديكان الوحيد بطاقه تعبيريه واتقان ادائي: "هذا احنا".
وفي عام 1993 لم يكن طلال الا ساعيًا في تطوير دمائه اللحنيه عندما تجاوب مع حساسيات لحنيه كان يشعر بالتنافس معها رغم انها من جيل لاحق الا انه يكشف عن حساسيه عاليه مع تطور الزمن عندما تعاون مع حمدان بريجي وسليمان الملا فيما كان يرتب عملًا من شعر بدر عبدالمحسن وتلحين خالد الشيخ ترك غصه في نفس الاخير.
ورغم استمرار طلال في تلك علي تكثيف حفلاته في مصر ولبنان ثم لندن وباريس والمغرب وحفلات التليفزيون الموسميه او جلسات غنائيه خاصه في السعوديه، واكبت نشوء شركات الانتاج الفني، وتقنين طباعه اشرطه الكاسيت، فكانت احدي عمليات تطور حفظ الاعمال الفنيه وتنظيم الحقوق الادائيه والانتاجيه، حيثُ سجَّل طلال عقد عمل مع شركه فنون الجزيره 1983، غالبًا التي وفرت حفظ اعماله بين المنتجه نهايه السبعينيات بالتوازي مع جديده انذاك مثل اغنيات شهيره: "تصدق والا احلف لك"، 1985 كمثال.
ونظمت الاغاني بين صيغه الجلسه ذات الفرقه الموسيقيه الصغيره "كانت احداها مع عتاب"، مقابل اشرطه سجلت مع فرق موسيقيه كبيره شكَّلت في مرحلتها حاله جديده لصناعه مجموعه غنائيه تواصل فيها مشروع الاغنيه الطلاليه الي اقصاه مثل: "خلصت القصه"، 1983، "سيدي قم"، 1985، "رفعت الصوت اغني"، 1986، "احرجتني"، 1987، "جتني تقول"، 1988، "صعب السؤال"، 1989، "الحق معاي"، 1989، "تدلَّل يا قمر"، 1992، "مصدر احزاني"، 1993، "انا راجع اشوفك"، 1993، وصولًا الي اشرطته الاخيره: "يا بنت" 1995، و"طيب" 1995، و"ذهب" 1999، "اسبوع" 2001.
وكان لتاسيس شركه انتاج فني لتجارب موسيقيه وتبني مواهب، ما جعله لا يكتفي في منتصف التسعينيات المرحله التي شهدت غزاره في صدور مجموعه كبيره من الاشرطه بين عامي 1990- 1995، كانت اعمال بين اغنيات جديده، واخري قديمه اعاد توزيعها مع الملحن غازي علي، كان بينها الحان لطلال نفسه لفوزي محسون ايضًا، عوضًا عن انفتاح طلال علي تجارب لحنيه جديده جعلت منه يقدم تطورًا لمفهوم الجلسه التي سبق.
وكانت تسجل بشكل عفوي خلال مرحله السبعينيات ثم اخذت منحني جديدا بالتنسيق والتوضيب في منتصف الثمانينيات وصولًا الي الجلسه الشهيره: "السكوت ارحم"، 1992، التي اشرف علي تنفيذها الملحن يوسف المهنا، كذلك جلسه: اغاني اعجبتني "جزءين" التي اشرف عليها الملحن عبد الله الرميثان.
وساهم لطلال في شركته: سويعات الاصيل ان يصدر شريطًا يحتوي علي ارتجالات علي اله العود اشبه بدروس حيال فلسفه النغم العربي واقتراح طرائق للانتقال بين المقامات "السلالم" دون الفروع "الاجناس"، تحت عنوان: "طلاليات1" 1999، ثم اصدر شريطًا اخرا هو مجموعه موسيقيه، مكونه من سبعه مقطوعات تحت عنوان: "سبعه لمين؟" 1999، وضع فيها تفكيره الموسيقي علي محك التجربه بين قوالب حره، واخري تستثمر الموتيفات اللحنيه "الجمل الموسيقيه الموروثه"، وتوظيف للكورال موسيقيًا.
ولم تخل مسيره طلال مداح من القصيده والنشيد كقالبين غنائيين يعتمدان علي قصيده الشعر باللغه الفصحي "لغه الكتابه العربيه"، من خلال انواع شعريه؛ بين التناظري "العمودي"، والمقطعي "المرسل"، والتفعيله لشعراء كبار مثل: احمد شوقي "اذار اقبل"، وبديوي الوقداني "احمامه الوادي"، في فن الدان وسواها من قصائد كثيره.
كذلك الشاعر طاهر زمخشري الذي كتب له غير الاغنيات باللهجه الحجازيه اغنيه: "علميني ومر في تيهه"، كذلك عبد الله الفيصل الذي كتب له قصائد نبطيه منحه نشيد: "افديك يا وطني"، لحن طارق عبد الحكيم، كما لا يمكن نسيان نشيد: "وطني الحبيب"، شعر عبد الرزاق بليله، الذي جدَّد تسجيله منتصف التسعينيات، وقصيده: "سويعات الاصيل" من شعر ندي الجزيره "سلطانه السديري"، التي لحنها محمد الادريسي، التي سمعها طلال من عبد الله محمد ورددها ثم سجَّلها ثم قصيده: "ماذا اقول؟"، شعر: فتي الشاطئ "سعد ال سعود"، ولحن محمد عبد الوهاب.
كذلك قصيده: "يا موقد النار"، شعر سعيد الهندي ولحن عمر كدرس، التي لحنها توفيق الباشا لصالح صوت الكبيره نور الهدي، وقصائد اخري لنفس الشاعر والملحن: "صحا الطير"، و"مع الغروب"، ولا ننسي قصيده: "كنت يومًا" من شعر لاسم مستعار "سراب"، ضمن مجموعه "قصت ضفايرها" 1990، كذلك قصيده: "يا حبيب العمر" من شعر مصطفي عبد الرحمن، ولحن جمال سلامه.
وطلال يعد احد المساهمين بشكل مباشر في تلك الاكتشافات بل الدعم عبر الانتاج الفني والتلحين والمرافقه في الحفلات الغنائيه مثل: حيدر فكري وعبادي الجوهر عام 1967فاعطي فكري لحن: "اراجع البسطه" وللجوهر لحن: "يا غزال" كذلك اغنيات اخري: "يا حلاوه"، "العوازل"، و"الحب المؤقت"، و"مدير الحجز"، حيثُ سيرد الجوهر لطلال ذلك الجميل بالتلحين له: "دروب العاشقين" عام 1976، ثم "عضه الابهام" عام 1997.
ثم شارك طلال عام 1969 في لجنه مكونه من احمد صادق ولطفي زيني وحسن دردير وعمر كدرس لاكتشاف صوت خيريه قربان التي منحها اسمها الفني: ابتسام لطفي، كما لحن لها اغنيه: "بتقول لي فات الاوان؟"، كلمات لطفي زيني، تشكل معارضه غنائيه لاغنيته: "فات الاوان"، ابراهيم خفاجي وطارق عبد الحكيم، ولا يخفي انه استمر في دعم الاصوات سواء بالحانه او من خلال الانتاج الفني عندما انتقل الي شركه فنون الجزيره، ومن هذه الاسماء عتاب وعلي عبد الكريم ومحمد عمر ومن الكويت رباب ومن البحرين ابراهيم حبيب.
ولا يخفي ان طلال اسهم في اكتشاف وتقديم ملحنين كبار في الساحه الغنائيه السعوديه مثل سراج عمر وسامي احسان كذلك في مرحله لاحقه محمد شفيق ومحمد المغيص عوضًا عن غنائه لشاعرات مثل: ثريا قابل حيثُ شكلت الحانه والحان فوزي محسون حاله غنائيه حجازيه وبعدها ساهمت ثريا قابل مع بدر عبد المحسن في اغنيه سعوديه تحمل ملامح مزيجًا من النجديه والحجازيه مثل: "الله يرد خطاك"، كذلك غني لحصه العون "رموشك ساهيه" وراضيه عبد الكريم "تركتيني"، وصولًا الي الشاعره هتان "الف شكرًا".
ومن بين اغنيات في مرحلته الغنائيه الاولي عالجت مواضيع اجتماعيه ونفسيه وفكريه ومناسباتيه بعضها مباشره قد رافقت التطورات التقنيه مثل: "في سلَّم الطائره" او "يا مسافر علي البوينج"، ومنها ما عالج مسائل العشق العذري مثل: "ما دام معايا القمر" والعشق الحسي مثل: "حبك سباني"، واخري رافقت ازمه منتصف العمر مثل: "اليوم يمكن تقول لي"، ومنها المتجدد سنويًا ضمن دائره الموسمي، ما يخص مناسبات احتفالات وطنيه واعياد دينيه وافراح رياضيه وحالات وصفيه بالمدن.